Modern technology gives us many things.

الصحراء الشرقية … النخلة التي تحجب واحات المجابهة بين المغرب و الجزائر

483
حتى نفهم جانبا آخر من الصراع المغربي الجزائري، ينبغي أن نقف ولو لحظة قصيرة أمام خارطة الجزائر المستقلة سنة 1962، لنرى كيف أن بطنها منتفخ بشكل غير طبيعي وممتلئ بأراضي وقبائل وشعوب الجيران التي اقتطعت وانتزعت بالقوة من طرف الاستعمار الفرنسي المتواجد في منطقة شمال إفريقيا منذ 1830.
فهذه الأراضي وهذه القبائل هي عبارة عن ألغام موقوتة خلفها المعمر الفرنسي كي تنفجر تباعا متى شاء ووقت ما أراد سواء في شرق أو غرب أو جنوب الصحراء الكبرى ، فالحدود المغربية الجزائرية عرفت في الماضي عدة مراحل في ترسيمها وتحديدها، فالجزائر حتى تضمن تماسكها الداخلي، حاولت مرارا وتكرارا افتعال مشاكل أخرى جانبية وثانوية للتغطية على المشكل الأساس والمركزي و اعني بذلك الصحراء الشرقية المنطقة الممتدة من ولاية بشار إلى تيميمون.
كان الحكام الجزائريون يخافون أن يسترجع المغرب صحرائه الغربية وبعد ذلك يتفرغ لصحرائه الشرقية، التي هي الأخرى تعتبر دائما امتدادا تاريخيا و طبيعيا للمملكة المغربية، ففرنسا التي استعمرت الجزائر مند 1830 أنشأت نظام الحماية على المملكة المغربية سنة 1912 مباشرة بعد انتصارها على المغاربة في حرب إيسلي سنة 1844 فنتائج الحرب كانت كارثية على وحدة المغرب و مناسبة لفرنسا المنتصرة لاتخاذ إجراءات عسكرية لتغيير معالم الحدود المغربية بدعوى محاربة التهريب و القضاء على التمرد المنطلق من الأراضي المغربية ولفائدة مقاطعة الجزائر الفرنسية و هكذا اقتطعت من المغرب مدن وقرى بأكملها كتلمسان و ﯕورارة و سيدي كلت و كلوم بشار و تندوف إضافة إلى منطقة توات التابعة آنذاك للمغرب والتي هي تعتبر في جميع المخطوطات التاريخية و الانثروبولوجية إلا امتدادا جغرافيا و سياسيا و قبليا لمنطقة تافيلالت المغربية وقد تناولها العديد من المؤرخين العرب كالإدريسي وحسن الوزان Léon l’Africain ، وابن خلدون و الزياني، كما تكلمت عنها الصحافية الفرنسية التي عاشت في موريتانيا ما بين 1919 إلى 1962 أوديت بيكودو Odette du Puigaudeau، حيث اعتبرت المنطقة ولايات مغربية، بدليل أن السكان كانوا يؤدون الضرائب باسم السلطان وان صلاة الجمعة والأحكام القضائية تنطق باسمه ويصومون مع المغاربة.
وللعلم ففي كل الدول، الضريبة تدفع إلى السلطة الحاكمة للإقليم الموجود تحت سيادتها الشرعية والقانونية ،فالفرنسيون في الجزائر لم يحددوا بصفة نهائية الحدود الممتدة بين فجيج الى عين صالح، أي حدود الصحراء الشرقية،كما كان الشأن في اتفاقية للامغنية التي رسمت حدود البلدين من السعيدية الى فجيج، تاركين وضع هذه الحدود المغربية الجزائرية غامضا وذلك لنية في نفس يعقوب.
ففي رسالة صادرة بتاريخ 6 يناير1886 عن الوزير الفرنسي للخارجية دوكليرك DUKLERC إلى زميله وزير الداخلية أرمان فاليير ARMAND FALLIERES حيث تعرض فيها إلى الحدود بين الجزائر الفرنسية والمغرب المستقل آنذاك أي مسمى بالإمبراطورية الشريفة، قائلا :” إن الحكومة الفرنسية من مصلحتها الاعتماد على النظرية المعروفة التي تتمثل في أن أفضل الحدود هي الحدود الغير المحددة مع جيران الجزائر الفرنسية (النزاع الليبي الجزائري التونسي حول المياه الجوفية للصحراء لازال قائما و لازالت اللجنة الثلاثية متعثرة في إيجاد حل متفق عليه بين البلدان الثلاث)”. إن هذه النظرية منحت لفرنسا الاستعمارية امتيازا مزدوجا ، الأول يتمثل في اجتناب مشاكل السيادة مع الجيران، و الثاني مهد لها إقامة قواعد محتملة للتوسع الفرنسي في اتجاه المغرب و ليبيا وتونس و دول الساحل، فالمعطيات الجغرافية لمنطقة توات مثلا تؤكد أنها محددة في الشمال من طرف تديمايت وموازية لوادي الصاورة، فهي منطقة تتكون من العديد من الواحات و القصور(قرى صغيرة)، أهمها واحة اتوات وواحة تيدي كلت ، وواحة ﯕورارة وواحة عين صالح وواحة اليزي و قصر تيميمون وواحة المطارفة ، وواحة انتيمي ،وواحة بندا، وواحة عين الغار. إنها منطقة ممتدة على مسافة تقدر ب 250 كلم طولا، حيث تخترقها العديد من الوديان القادمة من المغرب كوادي غيير ووادي زوزفان. فهذه الواحات تتوفر على مياه جوفية كبيرة تغذي منطقة الصاورة بأكملها .
لهذا السبب فكر سكان اتوات و الصاورة و منذ القدم في طرق عملية تقليدية لاستغلالها، مما مكنهم من البقاء و التحضر و زرع أراضي قاحلة، و كما جاء في التاريخ فان القبائل المغربية الأصل عاشت من خلال الزراعة و تربية المواشي. هذا الرخاء و الاستقرار توفر بسبب غنى الصحراء الشرقية بالمياه الجوفية و المعادن المختلفة كالفحم الحجري في القنادسة و الصفاية و في كسيكسو و الغزاريف، أما المنغنيز والرصاص فهما موجودان في جبل ﯕطارة، والحديد فنجده في غار الجبيلات.
إن هذه الواحات تكون في الوقت الحاضر منطقة الصاورة و عاصمتها بشار و تمتد إلى ولاية تندوف، فالأرشيفان العثماني و الفرنسي، المنشوران مؤخرا في اسطنبول ( 52 مليون وثيقة التي يمكن ترتيبها الواحدة بعد الأخرى على مسافة 16 كلم) يؤكدان أن السيطرة التركية لم تصل بتاتا إلى هاته الواحات بالرغم من محاولات العثمانيين العسكرية المتكررة التي قام بها البايات و الدايات و الأغاوات المتمركزين في مدن شمال الجزائر. كل الصحراء الشرقية الجزائرية كانت تحت الحماية والسيادة المغربية، فالمخزن المغربي (الإدارة المغربية) حسب الوثائق العثمانية، كان حاضرا وبقوة في المنطقة منذ الإمبراطورية الادريسية، أما سكانها فهم في أغلبيتهم منحدرون من قبائل معقيل و بني هلال والزناتيين و التوارق، واولاد أشبل، وهذه الأخيرة هي فرع من قبيلة أولاد ادليم القبيلة الصحراوية المغربية. لقد نجحت هذه القبائل في الفلاحة والتجارة و في تربية المواشي فكانت قوافلهم تتبضع في تلمسان ووهران و فاس و مراكش و تومبوكتو .
أما منتجاتهم الأساسية فكانت الثمور و القمح و الصوف و الغنم و الزرابي و الجلود ، فعندما دخلت فرنسا إلى الجزائر، أرسل المغرب وحدات عسكرية لقطع الطريق أمام المعمرين الفرنسيين الزاحفين على الواحات المكونة للصحراء الشرقية، التابعة حاليا للجزائر نظرا لاختلال ميزان القوى و خيانة البعض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.