Modern technology gives us many things.

“من الجدية إلى التمكين: قراءة في الخطاب الملكي من منظور الدبلوماسية الموازية والتسامح “

372

في افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة، وجّه جلالة الملك محمد السادس خطابًا ساميًا حمل في طياته رسائل قوية، تجاوزت الإطار البروتوكولي لتُعيد رسم ملامح الدولة الاجتماعية، وتُكرّس منطقًا جديدًا في العلاقة بين المواطن والمؤسسات. وباسم المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، نعتبر هذا الخطاب وثيقة تأسيسية لمرحلة تتطلب من الجميع ” حكومة، برلمان، مجتمع مدني، وإعلام مستقل” الانخراط الجاد والمسؤول في بناء مغرب الإنصاف والفعالية.

لقد شدد جلالة الملك على ضرورة تعبئة كل الطاقات، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، في إشارة واضحة إلى أن الإصلاح لا يمكن أن يكون انتقائيًا أو ظرفيًا، بل يجب أن يكون شاملًا، مستدامًا، ومبنيًا على الثقة المتبادلة. هذه الدعوة الملكية تُنسجم تمامًا مع فلسفة الدبلوماسية الموازية، التي نؤمن بها كمنظمة، والتي ترى في المواطن فاعلًا دبلوماسيًا، وفي الإعلام المستقل أداة للتقريب بين الدولة والمجتمع، وفي التسامح قيمة استراتيجية لبناء التماسك الوطني.

الخطاب الملكي لم يكتف بالتوجيه، بل حمل نقدًا ضمنيًا لبعض الممارسات التي تُعيق التنمية، داعيًا إلى القطع مع التردد، والانتقال إلى مرحلة الإنجاز. وهذا ما نعتبره في المنظمة تحولًا في الخطاب السياسي المغربي، من التوصيف إلى التحفيز، ومن التشخيص إلى التفعيل.

الخطاب الملكي تفاعل أيضًا مع الديناميات الاجتماعية الجديدة، خاصة تلك المرتبطة بجيل الشباب، وما يُعرف بحراك “جيل زد”. لم يكن الخطاب إقصائيًا أو متوجسًا، بل حمل إشارات واضحة إلى ضرورة الإنصات لهذه الفئة، واحتضان مطالبها المشروعة ضمن منطق الإصلاح الهادئ والفعّال. هذا التفاعل يُعد تحولًا في العقيدة السياسية المغربية، من التوجيه العمودي إلى الحوار الأفقي، ومن المركزية إلى التشاركية.

جلالة الملك لم يكتف بالإشارة إلى الفوارق، بل وضعها في صلب الرهانات المصيرية التي يجب أن تحكم السياسات العمومية. الخطاب حمّل الجميع مسؤولية جماعية: من الحكومة إلى المنتخبين، من المستثمرين إلى الإعلام، بل حتى المواطن العادي، في ضرورة الانخراط في مسار تنموي أكثر إنصافًا، وأكثر قربًا من الواقع اليومي للمغاربة، خاصة في العالم القروي والمناطق المهمشة.

جلالة الملك، في خطابه أمام البرلمان، أعاد تعريف مفهوم العدالة، ليس كمجرد توزيع للثروات، بل كحق في الكرامة، في الإنصاف، وفي التمكين. العدالة الاجتماعية تعني أن كل مواطن، أينما كان، يجب أن يشعر أن الدولة تراه، تسمعه، وتستجيب لحاجاته. أما العدالة المجالية، فهي أن لا تبقى التنمية حكرًا على المدن الكبرى، بل أن تصل إلى القرى، الجبال، والهوامش، بنفس الجدية والفعالية.

كما أن الخطاب أعاد التأكيد على مركزية قضية الصحراء المغربية، ليس فقط كملف سياسي، بل كقضية مواطنة وهوية. الربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية والانخراط في التنمية يُعد تجسيدًا عمليًا للدبلوماسية الموازية، حيث يتحول المواطن إلى سفير لقضيته، والمجتمع المدني إلى شريك في صياغة الرواية الوطنية.

من منظور المنظمة، فإن هذا الخطاب يُشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر:

  • تمكين الإعلام المستقل من أداء دوره التوعوي والتعبوي بعيدًا عن التوجيه الرسمي.
  • دعم المبادرات الشبابية التي تُجسد الدبلوماسية الشعبية.
  • ترسيخ ثقافة التسامح كرافعة للتنمية والتماسك.
  • فتح قنوات الحوار بين المؤسسات والمجتمع المدني، بعيدًا عن الوساطة الشكلية.

إننا في المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، نعتبر هذا الخطاب دعوة مفتوحة لإعادة صياغة العقد الوطني، وتجديد معاني الانتماء، والانخراط في مشروع جماعي يُعيد الاعتبار للجدية، ويُكرّس منطقًا جديدًا في ممارسة السلطة، قائمًا على الإنصات، الفعالية، والتسامح.

المصطفى بلقطيبية رئيس المنظمة الدولية
للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.