Modern technology gives us many things.

ذكرى ثورة الملك والشعب..على الشباب ان يعيشها اليوم

562
 
يخلد الشعب المغربي اليوم الذكـرى ال69 لملحمة ثورة الملك والشعب الغراء التي جسدت أروع صور التلاحم في مسيرة الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي الوفي بقيادة العرش العلوي الأبي في سبيل حرية الوطن واستقلاله ووحدته.
لقد اندلعت هذه الملحمة المباركة يوم 20 غشت 1953 حينما امتدت أيادي المستعمر الغاشم إلى رمز السيادة الوطنية والوحدة وبطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه لنفيه وأسرته الملكية الشريفة وإبعاده عن عرشه ووطنه، متوهمة أنها بذلك ستخمد جذوة الكفاح الوطني وتفكك العرى الوثيقة والترابط المتين بين عرش أبي وشعب وفي؛ إلا أن هذه الفعلة النكراء كانت بداية النهاية للوجود الاستعماري وآخر مسمار يدق في نعشه، حيث وقف الشعب المغربي صامدا في وجه هذه المؤامرة الدنيئة، مضحيا بالغالي والنفيس في سبيل عزة وكرامة الوطن، وصون سيادته وهويته وعودة الشرعية والمشروعية بعودة الملك الشرعي مظفرا منتصرا حاملا لواء الحرية والاستقلال.
لقد كانت ثورة الملك والشعب محطة تاريخية بارزة وحاسمة في مسيرة النضال الوطني الذي خاضه المغاربة عبر عقود وأجيال لصد التحرشات والاعتداءات الاستعمارية، فقدموا نماذج رائعة وفريدة في تاريخ تحرير الشعوب من براثن الاستعمار، وأعطوا المثال على قوة الترابط بين مكونات الشعب المغربي، بين القمة والقاعدة، واسترخاصهم لكل غال ونفيس دفاعا عن مقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية وهويتهم المغربية. ومن ثم، فإن ملحمة ثورة الملك والشعب لها في قلب كل مغربي مكانة كبيرة ومنزلة رفيعة لما ترمز إليه من قيم حب الوطن والاعتزاز بالانتماء الوطني والتضحية والالتزام والوفاء بالعهد وانتصار إرادة العرش والشعب.
أن المغرب والمغاربة واجهوا الأطماع الأجنبية وتصدوا بإيمان وعزم وإصرار للتسلط الاستعماري على الوطن، مستحضرا في هذا المقام أمجاد وروائع المقاومة المغربية في مواجهة الاحتلال الأجنبي بكافة جهات الوطن، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، معركة الهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، ومعركة أنوال بالريف من 1921 إلى 1926، ومعركة بوغافر بورزازات، ومعركة جبل بادو بالرشيدية سنة 1933، وما إليها من الملاحم والمعارك البطولية.
فقد تواصل العمل السياسي الذي ظهرت أولى تجلياته في مناهضة ما سمي بالظهير البربري سنة 1930 الذي كان من أهدافه شق الصف الوطني والتفريق بين أبناء الشعب المغربي الواحد لزرع بذور التمييز العنصري والنعرات القبلية والطائفية. وتلا ذلك تقديم سلسلة من المطالب الإصلاحية ومنها برنامج الإصلاح الوطني. كما استمرت التعبئة الوطنية وإشاعة الوعي الوطني والتربية على القيم الدينية والوطنية ونشر التعليم الحر الأصيل وتنوير الرأي العام الوطني وأوسع فئات الشعب المغربي وشرائحه الاجتماعية بالحقوق المشروعة وبعدالة المطالب الوطنية.
أن هذا العمل الدؤوب توج بتقديم الوثيقة التاريخية، وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 التي جسدت وضوح الرؤيا والأهداف وعمق وقوة إرادة التحرير لدى العرش والشعب، وهي من إرادة الله والتي تمت بتشاور وتوافق بين بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وقادة الحركة الوطنية، وشكلت منعطفا حاسما في مسيرة الكفاح الوطني من أجل حرية المغرب واستقلاله وطموحاته المشروعة وتطلعاته لبناء مستقبل واعد.
وقد شكلت  الزيارة الميمونة،، التي قام جلالة المغفور له محمد الخامس وفي يوم 9 أبريل 1947  لمدينة طنجة حيث ألقى خطابه التاريخي الذي حدد فيه مهام المرحلة الجديدة للنضال الوطني زيارة الوحدة محطة تاريخية جسدت إرادة حازمة وقوية في مطالبة المغرب بحقه المشروع في الاستقلال والحرية وتأكيده على وحدته وتشبثه بمقوماته التاريخية والحضارية والتزامه بانتمائه العربي والإسلامي وتجنده للدفاع عن مقدساته الدينية وثوابته الوطنية وهويته الحضارية والثقافية والاجتماعية والانسانية. 
وهكذا، وأمام التحام العرش والشعب والمواقف البطولية لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه الذي ظل ثابتا في مواجهة مخططات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، لم تجد السلطات الاستعمارية من اختيار لها سوى الاعتداء على رمز الأمة وضامن وحدتها ونفيه هو والعائلة الملكية في يوم 20 غشت 1953، متوهمة بأنها بذلك ستقضي على روح وشعلة الوطنية والمقاومة. لكن المقاومة المغربية تصاعدت وتيرتها واشتد أوارها لتبادل ملكها حبا بحب وتضحية بتضحية، ووفاء بوفاء، مثمنة عاليا الموقف الشهم لبطل التحرير والاستقلال الذي آثر المنفى على التنازل بأي حال من الأحوال عن العرش أو على التراجع عن قناعاته واختياراته في السيادة الوطنية وفي صون عزة وكرامة الشعب المغربي.
وفي حمأة هذه الظروف العصيبة، اندلعت أعمال المقاومة والفداء التي وضعت كهدف أساسي لها عودة الملك الشرعي وأسرته الكريمة من المنفى إلى أرض الوطن وإعلان الاستقلال. وتأججت المظاهرات والوقفات الاحتجاجية وأعمال المقاومة السرية والفدائية، وتكللت مسيرة الكفاح الوطني بانطلاق عمليات جيش التحرير بشمال البلاد في فاتح أكتوبر من سنة 1955. وبفضل هذه الثورة المباركة والعارمة، لم يكن من خيار للإدارة الاستعمارية سوى الرضوخ لإرادة العرش والشعب، فتحقق النصر المبين، وعاد الملك المجاهد وأسرته الشريفة في 16 نونبر 1955 من المنفى إلى أرض الوطن، لتعم أفراح العودة وأجواء الاستقلال وتباشير الخير واليمن والبركات سائر ربوع وأرجاء الوطن، وتبدأ معركة الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي لبناء وإعلاء صروح المغرب الحر المستقل وتحقيق وحدته الترابية.
وتواصلت مسيرة التحرير واستكمال الاستقلال الوطني باسترجاع طرفاية يوم 15 أبريل 1958 وسيدي افني في 30 يونيو 1969، لتتوج هذه الملحمة البطولية بتحرير ما تبقى من الأجزاء المغتصبة من الصحراء المغربية بفضل التحام العرش والشعـب وحنكة وحكمة مبدع المسيرة الخضراء المظفرة جلالة المغفور له الحسن الثاني، بتنظيم المسيرة الخضراء التي تعتبر نهجا حكيما وأسلوبا حضاريا في النضال السلمي لاسترجاع الحق المسلوب، والتي حققت الهدف المنشود والمأمول منها بجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية في 28 فبراير 1976 واسترجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.
إن استحضار قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية في هذه المناسبة العظيمة للذكرى 69 لملحمة ثورة الملك والشعب، يدعونا ويستحث القوى الحية وسائر الأطياف السياسية والنقابية والحقوقية والشبابية والنسائية على تقوية الجبهة الداخلية الوطنية وتعزيز التوجهات والاختيارات التنموية التي تستجيب لانتظارات وتطلعات سائر فئات وشرائح المجتمع المغربي إلى تحقيق أسباب رغد العيش والتقدم الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في وطن ينعم فيه أبناؤه بالعزة والكرامة والرخاء والازدهار.
ولعل من حسن المناسبة وبديع المصادفة أن تتزامن مع ذكرى ثورة الملك والشعب المجيدة “20 غشت” ذكرى وطنية أخرى سعيدة لها مكانتها الراسخة وأثرها العميق في نفوس المغاربة، إنها ذكرى عيد ميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله “21 غشت”، وهي مناسبة جليلة، وذكرى وطنية مجيدة، وهما مناسبتان تحلان في يومين متواليين. لذلك، يجدر الحديث عن الثانية بمقدار ما نتحدث عن الأولى، فللأعياد الوطنية في قلوب المغاربة مكانة كبيرة لأنها جميعها ترتبط بالعرش العلوي المجيد من جهة، وترتبط بالشعب المغربي من جهة أخرى.
فعيد ثورة الملك والشعب، عيد للملك والعرش، وعيد أيضا للشعب المجاهد والمناضل، وعيد الشباب عيدان: عيد ميلاد جلالة الملك، وعيد شباب المغاربة، ولا شك أن هذا الإرتباط القوي بين القمة والقاعدة من خلال الاحتفال بالأعياد الوطنية المجيدة يعتبر من خصوصيات الشعب المغربي في تلاحمه مع العرش، وهو ما يظهر من خلال فرحته الكبرى وتعبيره القوي بشكل عفوي وتلقائي عن سعادته بحلول الذكريات الوطنية الخالدة.
وذكرى عيد الشباب تدعو إلى التأمل والتفكير فيما يمكن أن يقدمه طموح ملك شاب وهمة عاهل فذ من منجزات وعطاءات لوطنه وشعبه، وقد أبانت السنة الأولى من حكم جلالته عن قيادة فريدة في تاريخ العرش المغربي تميزت بتجديد ساطع، وتحديث رائع، وتغيير واسع في مختلف المجالات والأصعدة تدعو إلى التأكيد على أن معالم التجديد والتحديث المنجزة ما كان لها أن تتحقق إلا على يد من حباه الله بذكاء متقد، وحكمة بالغة، وبعد نظر واسع، وقوة في الرأي سديدة وفريدة.
إن الاحتفال بعيد الشباب المجيد احتفال بمرحلة الشباب وأهميتها، وعندما تراجع سيرة الأمير سيدي محمد يافعا وشابا، وهو اليوم لا يزال في عنفوان شبابه، نجد أنفسنا أمام سيرة نموذجية في العطاء الزاخر، والإرادة القوية، والخلق الفاضل، وهي قيم سامية رسخت لديه بفضل التربية العالية التي أرادها له المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، الذي كان يؤمن إيمانا قويا بقيمة مرحلة الشباب وأهميتها في البناء والعطاء وصنع المستقبل، ويكفي استحضار دوره رحمه الله في بزوغ ثورة الملك والشعب وانطلاقها بقوة في أرجاء الوطن الممتدة لكي نعلم أهمية مرحلة الشباب في تحرير البلاد وبنائها.
إن الإيمان بقيمة مرحلة الشباب نابعة بالأساس من الأهمية التي أولاها الإسلام لهذه الشريحة العريضة من أبناء المجتمع، فالرسول (ص) قد نبه إلى ضرورة رعاية الشباب وتعهدهم والعناية بهم في الحديث الشريف الذي رواه الإمام الترمذي في سنته “كتاب العلم”:” أوصيكم بالشباب خيرا فإنهم أرق أفئدة، لقد بعثني الله بالحنيفية السمحة فحالفني الشباب وخالفني الشيوخ”.
والأمة الإسلامية منذ بزوغها هي تعتمد على الشباب، وتعتبرهم عمادها وقوتها، فقد كان رسول الله (ص) يختار لقيادة الجيوش وتحمل المسؤوليات الفتيان والشباب من المسلمين، ولعل أبرز مثال على ذلك إسناده عليه السلام قيادة الجيش الإسلامي المعد لقتال الروم إلى أسامة بن زيد “ض”، وهو لا يزال شابا يافعا، وكان الجيش يضم بين جنوده كبار الصحابة من أمثال : أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم جميعا.
وكان الرسول (ص) القدوة يرعى الشباب رعاية خاصة، يقربهم إليه، ويجالسهم، ويستمع إلى آرائهم وأقوالهم ليشعرهم بذواتهم، ويربي فيهم الشخصية الإستقالية، ويدربهم على المسؤولية، ويعتبر التزامهم بالإسلام ونشوءهم على طاعة الله تعالى من أجل الأعمال وأرقاها.
ويعتبر الرسول (ص) المثل الأعلى للشباب المسلم في تحمل الأعباء والتكاليف، والإتصاف بمكارم الأخلاق، وفي مدرسته نشأ جيل من الشباب المسلم الذي استفاد من سيرته العطرة، واقتدى بمعالمها في سلوك  حياة طاهرة نقية، وعمل بتوجيهاته النيرة، وإرشاداته السامية الرامية إلى حسن استغلال هذه المرحلة فيما يرضي الله وينفع الأمة.
فقد روى الحاكم في “مستدركه” عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول (ص) قال:( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.
إن الشباب في نظر الإسلام رمز للقوة والعطاء، ولذلك فهو في حاجة إلى التوجيه الكافي ليصرف قوته وعطاءه فيما ينفع الوطن والأمة، ولذلك كان الإعداد للشباب يحتاج إلى مخططات ومشاريع تربوية يتولاها كل من يتحمل مسؤولية التربية، وذلك بهدف رسم معالم الطريق القويم أمام الشباب لكي يستمدوا منه عناصر التربية السليمة والقيم الحميدة، ولذلك يقول جلالة المغفور له الحسن الثاني في إحدى خطبه بمناسبة عيد الشباب لسنة 1987م:
” علينا أن نهيئك للقرن المقبل، وأن لا نجعل منك متفرجا ومنتهزا فقط، بل علينا أن نجعل منك مخترعا ومبتكرا ومشاركا في بناء عالم ومجتمع القرن المقبل، ولا يتأتى هذا إلا إذا نحن بعد النصيحة والتربية سلحناك بما يجب تسليحك به من المعرفة النافعة والعلم المجدي”.
إن المغرب دولة الشباب “أكثر من 60 % من الساكنة”، لذلك فإن عيد الشباب الذي يحتفل به المغاربة هذه السنة يعتبر اسما على مسمى، فالمغرب بلاد الشباب، ويرعاه عاهل شاب. لذلك فإن هذا العيد يجسد طموحات وآمال وأحلام كل الشباب المغاربة الذين ينتظرون من متعهديهم و المسؤولين على توجيههم مواصلة العمل من أجل توفير سبل العيش المناسب لهم، وإرشادهم نحو الوجهة الملائمة لكيانهم وطاقاتهم، ولهم في عيد الشباب الفرصة المواتية لتحقيق ذلك.
هكذا إذن تتجدد ذكرى عيد الشباب المجيد مع جلالة الملك الشاب محمد السادس نصره الله ، وتتجدد معها آمال الشباب وطموحاتهم التي تنسجم أتم الإنسجام مع وعود جلالته بتحقيق ظروف أفضل، وإمكانات أوسع، وآفاق أرحب لشباب المغرب الطموح الذي يسعى من خلال بحثه عن حياة أنسب، وعيش أكرم، إلى بناء وطن الغد، وتحقيق تقدمه وازدهاره، وبالتشييد والعطاء والتجديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.