Modern technology gives us many things.

مفهوم التعددية الثقافية “Pluralisme”

464

مثل جميع الظواهر المرتبطة بالمجتمع، يحتمل مفهوم التعددية الثقافية “Pluralisme” عدة حمولات تختلف بحسب سياق استخدامه ووفق المنظور الذي يتم عبره تناول هذا المفهوم.

تتجلى التعددية الثقافية في الاحترام المتبادل ومحاولة عدم تشويش مكون ثقافي على مكون آخر مغاير، وكذا في إهمال الفوارق بين الهويات من أجل خلق وحدة متماسكة داخل المجتمع، وإبراز التعدد كمركب أساسي في بنية المجتمع.

في مجتمع متعدد الثقافات ليست هنالك هيمنة لثقافة واحدة أو أفضلية وسمو لثقافة عن باقي الثقافات، هناك اعتراف متبادل بين الهويات المختلفة في نفس المستوى من دون أدني انتقاص أو تهميش لمجموعة من الثقافات على حساب الثقافة السائدة أو المهيمنة. فلا لا يوجد مواطن أفضل من مواطن آخر، أو شخص أقل قيمة من شخص آخر أو حتى مجموعة ثقافية أو أقلية دينية هامشية عن باقي المجموعات؛ إنما هناك اختلاف، اختلاف شخص عن آخر واختلاف مجموعة عن مجموعة أخرى. لأن الهدف الأساسي من التعددية الثقافية هو الاعتراف بشرعية الثقافة الأخرى في المجتمع كإحدى مكوناته وجزء لا يتجزأ منه، ورافد من الروافد التي ينهل منها.

تتميز التعددية الثقافية بكون التعدد هو حجر الزاوية في تفسيرها، أي وجود أكثر من ثقافة واحدة داخل المجتمع الواحد؛ كما أن المجتمع المتعدد ثقافيا هو أيضا مجتمع مختلط يضم أجناسا مختلفة وثقافات مختلفة ومجموعات إثنية مختلفة، وهو بذلك مجتمع غير متجانس يضم مختلف الحضارات والثقافات.

منذ وقت طويل شكلت التعددية الثقافية والدينية سمة أساسية واختيار استراتيجي في مسار الدولة المغربية، فبالنسبة للأقليات الدينية في المغرب على سبيل المثال يتم احترام الخصوصيات الدينية والثقافية للمجموعات الدينية من غير المسلمين حيث يتمتعون، إسوة بباقي المواطنين المغاربة، بمقابر خاصة بكل ديانة؛ والمدن المغربية تشهد بدورها عن هذه التعددية من خلال الكنائس والمعابد والبيعات المشيدة جنيا إلى جنب مع مساجد المسلمين، بل وهناك تشريعات خاصة تراعي الخصوصيات الدينية، مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة للقواعد المنظمة لنظام الأحوال الشخصية والميراث بالنسبة للمغاربة المعتنقين للديانة اليهودية، والأهم هو تضمين الدستور المغربي حماية هذه الشعائر وتأكيده على تنوع الروافد الذي تكون الهوية المغربية.

وكأي مفهوم مجتمعي فإن “التعددية الثقافية” اختيار يبرز مجموعة من النقاط الإيجابية داخل المجتمع كما يخفي تحته العديد من المساوئ. فالتعددية الثقافية تساهم في التعرف على الثقافات الأخرى في المجتمع، وتمكن من الاعتراف بشرعية هذه الثقافات باعتبارها مركب مهم وجزء من المجتمع، كما تعمل على الاحترام المتبادل بين الثقافات وتقدم فرصة جديدة تضمن وتحقق الحريات والمساواة بين الثقافات المختلفة داخل نفس المجتمع.

من جهة أخرى فإن نفس “التعددية الثقافية” يمكن أن تؤدي إلى تفكيك وحدة المجتمع، وتجعل منه فسيفساء تسيج كل ثقافة بعاداتها وتقاليدها ونمط حياتها في معزل عن باقي الثقافات، كما يمكن أن تؤدي الى فوضى اجتماعية في غياب قوانين موحدة لكل تلك الثقافات المختلفة من حيث القيم والعادات، فلا توجد ثقافة رائدة واحدة قادرة بمنظومتها على قيادة مجتمع متعدد. بالإضافة إلى ذلك فإن التعددية الثقافية تساعد على انغلاق كل ثقافة على نفسها وتكوين إطار خاص بها بعيدا عن الإطار المشترك أي ” الدولة “، الأمر الذي قد يؤدي إلى صراع عنيف بين الثقافات عند محاولة خلق قوانين موحدة للدولة والسيادة.

إن الاختلاف سنة كونية، والتعددية الثقافية اختيار محمود يستوجب تجنب الآثار الضارة التي قد تنتج عنه، والغاية من ذلك هي الإعلاء من شأن الإنسان في كل مكان مهما كان لونه أو انتماؤه العرقي أو الديني، ووسيلة ليتوقف القتل والجريمة ورفض اللاحتراب والإرهاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.