Modern technology gives us many things.

زيدان في المغرب.. لبناء مركز تربوي ورياضي يحمل إسم أعز صديق له

104

في عالمٍ يزدحم بالصور السريعة والأخبار العابرة، يطلّ على المغرب حدثٌ استثنائي يذكّرنا جميعًا بأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالألقاب ولا بالكؤوس، بل بالوفاء والإنسانية. زيارة زين الدين زيدان إلى المملكة الشريفة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية أو مناسبة رياضية، بل كانت وعدًا صادقًا، ووفاءً لعهدٍ قديم، جسّدته دموع أمٍّ في قرية صغيرة، وابتسامة ملكٍ أدرك أن القيم الإنسانية تسمو فوق كل المراتب.

لقد جاء زيدان إلى المغرب ليس بصفته نجمًا عالميًا أو أسطورة كروية، بل بصفته إنسانًا يحمل دينًا في قلبه، دينًا من نوع خاص لا يُسدّد بالمال ولا بالشهرة، بل بالوفاء لذكرى رجل عاش في الظل وحمى نجمًا عاش في الضوء. في قرية تازروت، بعيدًا عن عدسات الكاميرات وضجيج الإعلام، اختار زيدان أن يفي بوعده، وأن يضع بين يدي أمٍّ ثكلى أثرًا من ابنها الراحل، في مشهدٍ يختصر معنى الإنسانية في أبهى صورها.

مع أول خيوط الفجر، غادر زين الدين زيدان رباط البروتوكول والقصور، متجهًا نحو جبال الريف في رحلة صامتة لا يعرفها أحد. لم يكن معه موكب ولا كاميرات، فقط سيارة متواضعة تشقّ طرقًا وعرة نحو قرية تازروت، حيث كان ينتظره وعد قديم.

حين وصل، لم يصدّق أهل القرية أعينهم. الرجل الذي رفع كأس العالم، يدخل بيتًا بسيطًا مطليًا بالجير الأبيض، ليجلس أمام أمٍّ ثكلى فقدت ابنها يوسف الإدريسي، الحارس الوفي الذي ظلّ يحمي زيدان في صمت بعيدًا عن الأضواء.

جلس زيدان طويلًا، ثم أخرج صندوقًا صغيرًا كان يحمله منذ أشهر. فتحه ببطء، وأخرج منه زوجًا من القفازات الجلدية القديمة. وضعها بين يدي الأم قائلاً بصوت خافت: “هذه كانت يديه… أُعيدها إليك.” لحظة صمتٍ ثقيلة ملأت المكان، قبل أن تنهمر دموعها وتتحول الغرفة إلى محراب للوفاء.

لكن زيدان لم يكتفِ بهذا المشهد الرمزي. فقد أراد أن يترك أثرًا حيًا يحمل اسم صديقه. في سرية تامة، موّل إنشاء مركز تربوي ورياضي للأطفال، مجهز بكتب وكهرباء وملعب ترابي صغير. لم يكن هناك شريط أحمر ولا خطابات رسمية، بل فرحة أطفال يركضون على أرضٍ جديدة تحمل اسم “يوسف الإدريسي”.

يوسف الإدريسي، الرجل الذي رافق زيدان كظله وحرسه في سنوات المجد بين تورينو ومدريد، رحل فجأة إثر أزمة صحية مباغتة بعيدًا عن الأضواء. لم يكن نجمًا ولا مسؤولًا، بل رجلًا بسيطًا عاش في خدمة غيره بصمت، تاركًا فراغًا كبيرًا في حياة زيدان. هذا الرحيل المفاجئ هو ما جعل زيدان يحمل دينًا في قلبه، دينًا من الوفاء، فاختار أن يزور عائلته ويخلّد اسمه عبر مركز تربوي ورياضي يحمل ذكراه، ليبقى أثره حيًا في ذاكرة الأجيال.

هذا اللقاء لم يكن مجرد لحظة شخصية، بل تحوّل إلى درس عالمي في الأخلاق والوفاء. لقد أثبت زيدان أن النجومية الحقيقية ليست في عدد البطولات ولا في حجم العقود، بل في القدرة على التواضع، على الانحناء أمام من صنعوا مجده بصمت، وعلى الاعتراف بأن وراء كل بطل رجال ونساء لا يعرفهم العالم، لكنهم يظلون أعمدة خفية في قصص النجاح.

وما زاد هذه الزيارة عمقًا هو البعد الرمزي الذي حمله قرار زيدان بتمويل مركز يحمل اسم صديقه الراحل، ليبقى أثره حيًا في ذاكرة الأجيال. لم يكن ذلك المركز مجرد بناء أو مشروع، بل كان رسالة إلى أطفال الريف بأن المجد يمكن أن يولد من التضحية، وأن الأسماء التي لا تلمع في الإعلام قد تظل منارات في حياة الآخرين.

لقد استقبل الملك محمد السادس ضيفه الكبير بكلماتٍ تليق بالمقام، مؤكّدًا أن تكريم البسطاء هو أسمى أشكال العظمة. وهكذا، تحوّل اللقاء من حدث دبلوماسي إلى لحظة إنسانية نادرة، حيث التقت قامة رياضية عالمية برؤية ملكية تُعلي من شأن القيم قبل الإنجازات.

إن زيارة زيدان إلى المغرب ستظل محفورة في الذاكرة، ليس لأنها أضافت صفحة جديدة في كتاب الرياضة، بل لأنها أعادت تعريف معنى المجد، وأثبتت أن الوفاء هو أجمل الألقاب التي يمكن أن يحملها الإنسان. إنها قصة تُلهم العالم، وتؤكد أن المغرب، أرض الحضارة والكرامة، يظل فضاءً يحتضن القيم الإنسانية الكبرى ويمنحها أبعادًا عالمية.

غادر زيدان القرية كما جاء، بصمتٍ وتواضع، حاملاً معه صورة قديمة ليوسف، وكأنه يذكّر نفسه أن المجد لا يُقاس بالكؤوس، بل بالوفاء لأولئك الذين صنعوا الطريق في الظل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.